
قبل نحو أربعة عقود، كانت صناعة أشباه الموصلات تسير وفق قاعدة واحدة تقريبًا: الشركة الناجحة هي التي تصمم رقائقها وتصنعها داخل مصانعها الخاصة. وكان التخلي عن هذا النموذج يُنظر إليه باعتباره مخاطرة قد تهدد مستقبل أي شركة.
لكن شركة TSMC (Taiwan Semiconductor Manufacturing Company) أثبتت أن أكثر الأفكار التي تبدو مخاطرة قد تتحول إلى أكبر قصص النجاح في تاريخ التكنولوجيا.
زيارة غيرت مستقبل الصناعة
في عام 1988، زار أندرو جروف، الرئيس التنفيذي الأسطوري لشركة إنتل، منشآت TSMC في تايوان. وفي ذلك الوقت، كانت فكرة التصنيع للغير (Foundry) تواجه تشكيكًا واسعًا داخل وادي السيليكون، إذ اعتبر كثير من التنفيذيين أن الشركة التي لا تمتلك منتجاتها الخاصة لن تستطيع بناء أعمال مستدامة.
ورغم هذه الشكوك، نجحت TSMC في اجتياز أكثر من 200 اختبار أمني وتشغيلي فرضها مهندسو إنتل، لتصبح شريكًا موثوقًا في تصنيع الرقائق، في خطوة شكلت بداية تحول جذري في الصناعة.
موريس تشانغ.. صاحب الرؤية
ولد موريس تشانغ عام 1931 في الصين، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث درس الهندسة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، قبل أن يحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الهندسة الكهربائية.
وبدأ مسيرته داخل شركة Texas Instruments، حيث أمضى أكثر من 25 عامًا في تطوير تقنيات تصنيع الرقائق وتولي مناصب قيادية.
وخلال تلك الفترة، أدرك تشانغ أن تكاليف بناء مصانع أشباه الموصلات ترتفع بوتيرة متسارعة، بينما أصبحت الشركات الصغيرة والمتوسطة عاجزة عن تمويل مصانعها الخاصة، وهو ما قاده إلى تصور نموذج مختلف تمامًا.
وفي عام 1985، دعته الحكومة التايوانية لقيادة مشروع تطوير صناعة أشباه الموصلات، وبعد عامين فقط تأسست TSMC بدعم من الحكومة التايوانية وشركة Philips الهولندية لتصبح أول شركة متخصصة بالكامل في تصنيع الرقائق لحساب الغير دون منافسة عملائها.
الرهان الذي عارضه الجميع
في أواخر الثمانينيات كانت شركات مثل Intel وTexas Instruments وMotorola تصمم وتصنع رقائقها داخل مصانعها الخاصة، بينما كان نموذج TSMC يعتمد بالكامل على تصنيع منتجات شركات أخرى.
ورأى كثيرون أن هذا النموذج شديد الخطورة، لأن الشركة لا تمتلك أي منتجات خاصة تحمي إيراداتها في فترات التباطؤ الاقتصادي.
إلا أن تشانغ كان يرى أن شركات التصميم ستكون أكثر ابتكارًا عندما تتخلص من الأعباء الضخمة لإنشاء وتشغيل المصانع، بينما تحقق شركة تصنيع متخصصة وفورات الحجم والاستثمارات التي يصعب على كل شركة تحملها منفردة.
صناعة تحتاج إلى مليارات الدولارات
تعد صناعة أشباه الموصلات من أكثر الصناعات كثافة في رأس المال، إذ تتطلب المصانع الحديثة استثمارات بمليارات الدولارات مع تحديث مستمر للتكنولوجيا كل بضع سنوات.
وتجسد المشاريع الحالية حجم هذه الاستثمارات؛ إذ تخطط TSMC لاستثمار نحو 165 مليار دولار في مجمعها الصناعي بولاية أريزونا الأمريكية، الذي يضم ستة مصانع متطورة، ومنشأتين للتغليف المتقدم، ومركزًا للبحث والتطوير.
وفي المقابل، تنفذ Samsung Electronics مشروعًا تزيد استثماراته على 37 مليار دولار في ولاية تكساس، بينما تستثمر Intel أكثر من 28 مليار دولار لإنشاء مصنعين متقدمين في ولاية أوهايو.
الحياد… السر الحقيقي لنجاح TSMC
لم يكن الابتكار الأهم لدى الشركة هو بناء المصانع فقط، بل التزامها الكامل بالحياد.
فمنذ تأسيسها قررت الشركة عدم تصميم أو بيع أي رقائق تحمل علامتها التجارية، حتى لا تصبح منافسًا لعملائها.
هذا القرار منح شركات التصميم ثقة كبيرة في مشاركة أكثر تقنياتها سرية مع TSMC، لأنها كانت تعلم أن الشركة لن تستخدم هذه المعرفة لإطلاق منتجات منافسة.
وبحلول عام 2025، أصبحت الشركة تخدم 534 عميلًا، وأنتجت أكثر من 12,680 منتجًا باستخدام 305 تقنيات تصنيع مختلفة.
ازدهار الشركات عديمة المصانع
ساهم نجاح TSMC في ظهور جيل جديد من شركات أشباه الموصلات التي تركز على التصميم فقط، بينما تعتمد على الشركة في التصنيع.
ومن أبرز هذه الشركات Nvidia وAMD وQualcomm وMediaTek، التي أصبحت من أكبر المستفيدين من نموذج التصنيع للغير.
ووفقًا لتقديرات TrendForce، ارتفعت إيرادات أكبر عشر شركات عديمة المصانع بنسبة 44% خلال عام 2025 لتصل إلى 359.4 مليار دولار، بقيادة Nvidia.
الذكاء الاصطناعي يمنح الشركة دفعة تاريخية
أحدثت ثورة الذكاء الاصطناعي تحولًا جديدًا في مسيرة TSMC.
فالطلب المتزايد على معالجات الذكاء الاصطناعي، وخاصة رقائق Nvidia، دفع مصانع الشركة للعمل بطاقات إنتاجية مرتفعة لإنتاج شرائح 3 نانومتر والاستعداد للإنتاج التجاري لتقنية 2 نانومتر.
وأكدت الإدارة التنفيذية أن الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي لا يزال يفوق الطاقة الإنتاجية الحالية، ما دفع الشركة إلى تسريع توسعاتها في تايوان والولايات المتحدة واليابان وألمانيا.
وخلال النصف الأول من العام الحالي ارتفعت إيرادات الشركة بنحو 35.6% لتصل إلى 74 مليار دولار، بينما قفز صافي الربح بنسبة 66% إلى 39.5 مليار دولار.
أما خلال عام 2025 بأكمله فقد بلغت الإيرادات 122.5 مليار دولار بزيادة 36.1% على أساس سنوي، مع استحواذ الشركة على 69.9% من سوق خدمات تصنيع الرقائق عالميًا، مقابل 7.2% فقط لأقرب منافسيها Samsung Electronics.
واليوم يعمل لدى الشركة أكثر من 80 ألف موظف حول العالم، وتنتج مئات الآلاف من رقائق السيليكون شهريًا داخل شبكة واسعة من المصانع ومراكز التغليف والاختبار.
نموذج أعمال غيّر الصناعة
أثبتت تجربة TSMC أن الابتكار لا يقتصر على تطوير التقنيات، بل يشمل أيضًا إعادة ابتكار نموذج الأعمال.
فالشركة التي تأسست عام 1987 على فكرة اعتبرها كثيرون “هشة” أصبحت اليوم الركيزة الأساسية لصناعة الرقائق الإلكترونية، والشريك التصنيعي لأكبر شركات التكنولوجيا في العالم.
ومع استمرار سباق الذكاء الاصطناعي، تبدو TSMC في موقع يسمح لها بمواصلة قيادة هذه الصناعة، مستفيدة من نموذج أعمال أعاد تشكيل سوق أشباه الموصلات وغير قواعد المنافسة العالمية.
ملخص المقال
- تأسست TSMC عام 1987 كأول شركة متخصصة في تصنيع الرقائق للغير.
- واجه نموذجها تشكيكًا واسعًا في بداياته.
- موريس تشانغ راهن على فصل التصميم عن التصنيع.
- أصبحت الشركة المورد الرئيسي لعمالقة التكنولوجيا مثل Apple وNvidia وAMD وQualcomm.
- بلغت إيراداتها 122.5 مليار دولار في 2025، مع حصة سوقية تقارب 70%.
- طفرة الذكاء الاصطناعي عززت الطلب على خدماتها ورسخت مكانتها العالمية.
التحليل الاقتصادي
قصة TSMC تمثل تحولًا هيكليًا في صناعة أشباه الموصلات، حيث انتقلت المنافسة من امتلاك المصانع إلى امتلاك أفضل قدرات التصنيع. وقد أدى هذا النموذج إلى خفض الحواجز أمام شركات التصميم، ما ساهم في ظهور شركات مثل Nvidia وAMD وQualcomm بصفتها قوى عالمية دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في المصانع.
كما جعل هذا التحول TSMC عنصرًا استراتيجيًا في سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يفسر اهتمام الولايات المتحدة واليابان وألمانيا باستقطاب استثماراتها لتعزيز أمنها الصناعي والتكنولوجي. ومع استمرار التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يتوقع أن تظل الشركة من أكبر المستفيدين من الطلب المتزايد على الرقائق المتقدمة.
المصادر: أرقام- تي إس إم سي- تريندفورس- وكالة رويترز- رابطة صناعة أشباه الموصلات
